عبد الوهاب الشعراني

62

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [ البقرة : 284 ] وفي حديث : « إنّ اللّه تجاوز عن أمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تتكلّم أو تعمل » . فإن هذه الآية محكمة عند بعضهم في حق الأكابر ، ويدل على ذلك حكايات القوم في مؤاخذتهم بالخواطر بل قدمنا عن سيدي محمد الشويمي صاحب سيدي مدين أنه كان لا يمكن أحدا من الجلوس بين يدي سيدي مدين إلا إن حفظ خواطره ، وخطر مرة في قلب شخص الزنا فقام وضربه بالعصا ضربا مبرحا ، فإذا كان هذا أدبا مع مخلوق فاللّه تعالى أولى بالأدب على الدوام واللّه تعالى أعلم . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصّلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلّا الصّلاة » . زاد في رواية للبخاري : « والملائكة تقول : اللّهمّ اغفر له ، اللّهمّ ارحمه ما لم يقم من مصلّاه أو يحدث » . وفي رواية لمالك : « حتّى ينصرف أو يحدث » . قيل لأبي هريرة وما يحدث قال . يفسو أو يضرط . وروى أبو داود مرفوعا : « صلاة في أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في علّيّين » . والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ المواظبة على الجلوس في مصلانا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نواظب على جلوسنا في مصلانا للذكر بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع ونصلي ركعتين أو أربعا ، وعلى جلوسنا بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ، ويلحق بالجلوس للذكر الجلوس لخير من علم شرعي أو إرشاد أو صلح بين الناس ونحو ذلك كما كان عليه فقهاء التابعين ، فكان عطاء ومجاهد يقولان : المراد بذكر اللّه علم الحلال والحرام . وقال مشايخ الصوفية : المراد بذكر اللّه تعالى أن يذكره بأسمائه الحسنى ، وقد تبعهم على ذلك جمهور أهل الطريق الذين أدركناهم كسيدي علي المرصفي والشيخ تاج الدين الذاكر وغيرهما . فكان سيدي علي المرصفي يجلس بعد صلاة العصر يرشد الناس في أمورهم بقراءة كتب القوم ك « رسالة القشيري » و « عوارف المعارف » ونحوهما من مؤلفاته ، وكان سيدي الشيخ تاج الدين يجلس بعد صلاة العصر في قراءة « البخاري » وتفسير ما أشكل من ألفاظه إلى الغروب ، وكان سيدي محمد الشناوي يجلس بعد العصر يذكر اللّه تعالى إلى الغروب ، وكذلك كان يذكر بعد الصبح بلا إله إلا اللّه حتى تطلع الشمس ، فإن كان مسافرا ذكر ذكر المجلس هو وأصحابه وهو راكب حمارته رحمه اللّه ، وكان سيدي محمد بن عنان يشتغل بالأوراد سرا من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس وينام بعد صلاة الوتر ثم يقوم يتهجد ويصلي الصبح ، فلا يزال في قراءة حزب سيدي أحمد الزاهد حتى تطلع الشمس ، ثم يشتغل بأوراد أخر إلى ضحوة النهار ، وكان لا يلتفت لأحد كلمه في هذين الوقتين لإقباله